(trad derniers paragraphes+article précédent)

أش بريس/الملاحظ/ د. محمد معاذ الديوري

قبل سنتين، كتبتُ مقالا تحت عنوان: “رأس السنة .. وأعياد الميلاد”، ولم يَدُرْ ببالي أنَّ بعضا من قرائي سيطلبون مني إعادة الكتابة في الموضوع مع انتقادهم الشديد لبعض ما نقلته عن “أبي القاسم العزفي السبتي” وعلماء الشريعة المغاربة في الفقه المالكي أو لبعض الآراء الواردة في المقال التي تعمدتُ إدراجها دون التعليق عليها قبولا أو رفضا.
اليوم سأعود إلى الموضوع من جديد من زاوية ميدانية، الهدفُ من ورائها تسليط الضوء على مظاهر الاحتفال برأس السنة وأعياد الميلاد وطقوسه لدى المغاربة تحديدا، وما هي الأسباب والعوامل التي تجعل المغاربة يحتفلون بهذه الأيام عامة وبليلة رأس السنة على وجه الخصوص؟ وهل للثقافة المغربية علاقة بذلك أم الأمر يتعلق بمجرد التبعية والتقليد الأعمى كما هو وارد عن “أبي القاسم العزفي السبتي” في كتابه “الدر المنظم والمولد المعظم” الذي أشرتُ إلى نصٍّ منه في المقال المشار إليه؟
100 من المستجوَبين حول هذا الموضوع لا يمكنُ اعتبارهم يمثلون المغاربة قاطبة، لكنهم يمثلون عينة غير كافية لتسليط الضوء على بعض المظاهر والطقوس ليس إلا، ودليل ذلك أن 97 من أصل الـ100 أجابوا بسرعة على سؤال: “هل تحتفلـ(ين) برأس السنة” بالنفي المطلق، في حين أن “مليكة” مفتشة تعليم من مراكش (42 سنة) و”حياة” أستاذة اللغة الفرنسية من الدار البيضاء (؟؟ سنة) كانتا الوحيدتين اللتين أجابتا على الفور بـ”نعم”، بينما فضَّلَ “محمد” سائق تاكسي من الدار البيضاء (45 سنة) أن يقول: “في بعض الأحيان”.
61 من المستجوَبين الذين نفوا احتفالهم الشخصي برأس السنة هم في نهاية المطاف يحتفلون به مع العائلة والأقارب أو على الأقل كانوا يحتفلون به في ما مضى من سنوات، فمثلا: “رضوان” صحفي من أغادير (23 سنة) يقول: إن والده كان يشتري لنا حلوى رأس السنة لنحتفل بهذه الليلة ونقضي سهرة ممتعة بين العائلة، لكنه قبل 9 سنوات نسي ذلك وتناسينا جميعا في أسرتنا ذلك، وأصبح هذا اليوم واحدا من أيام السنة ليس إلا.
هناك من العينة التي تمَّ سؤالها حول احتفال العائلة بهذه الليلة من نفى نفيا قاطعا ذلك، تقول “آية” عاطلة عن العمل من تازة (27 سنة): الاحتفال برأس السنة ليس من عاداتنا وتقاليدنا في مدينة تازة، و”ما عَلّْموهاليشْ والدِيَّ”، وتنفي “بشرى” مقيمة بالديار الإسبانية من شفشاون (25 سنة) أن تكون قد شاركت هي أو أيُّ واحدٍ من أسرتها في الاحتفال برأس السنة، “لأنه لا يمُتُّ إلى عادتنا وتقاليدنا بأي صلة”، وهذا اليوم – بالنسبة لعائلة بشرى – كسائر الأيام، و”الاحتفال به مخالف لديننا الحنيف”، وتوافقها الرأي “سارة” طالبة جامعية تخصص “الرياضيات والإعلاميات” من سلا (18 سنة)، إذ تؤكد بإلحاح أن “العادات السلاوية بعيدة كل البعد عن هذه المظاهر، وأن ديننا الحنيف وتقاليدنا العريقة بمعزل عن الانخراط في احتفالات لا تمنحنا أيّ قيمة مضافة”.
“أمينة” موظفة من مراكش (51 سنة) لها رأيٌ آخر بخصوص اختيارها إغلاقَها باب بيتها على نفسها في هذه الليلة: “أصلا لا أتحمل هذه الليلة، وأتخوف منها بشكل كبير، لأنني أخاف من المجهول الممكِنِ وقوعه في السنة الموالية”، مضيفة: “لا أستطيع النوم تلك الليلة، لأنني أبقى أفكر في كل أفراد العائلة والأصدقاء، وأتخوف من أن أفقد عزيزا منهم في الفترة الممتدة بين يناير/ كانون الثاني وديسمبر/ كانون الأول القادمين”.
بعض المستجوَبين أكدوا أن ثمة ظاهرة أخرى جديدة للاحتفال الشخصي برأس السنة، فمثلا “كريمة” مستخدمة من الرباط (27 سنة) تتبادل الرسائل القصيرة والالكترونية مع العائلة والمعارف والصديقات من أجل التبريك فقط، و”لا يخلو الأمر أحيانا من قطع حلوى صغيرة يقتنيها أخي الكبير إرضاء لأخي الصغير اقتداء ببيت الجيران”.
أما “بثينة” طالبة من سلا (21 سنة) فهي لا تحتفل برأس السنة على غرار صديقاتها، “لأنني أعيش في وسط محافظ، وليست لدي فرصة الخروج مع الصديقات للاحتفاء بهذا اليوم، علاوة على ذلك فنحن مسلمون، وليس لنا أن نجعل من هذه الأيام عيدا، أو حتى أن نجعلها عادة”.
“زهير” أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي من بنسليمان (29 سنة) ينفي بشدة الاحتفال برأس السنة أو تبادل أي نوع من التبريك لا بالرسائل القصيرة ولا حتى بالتبريك الشفوي، مردفا: “لأننا مسلمون وبكل بساطة، وأعيادنا ليست إلا عيد الفطر وعيد الأضحى”، مؤكدا أن “الاحتفال برأس السنة ليس إلا تقليدا أعمى للثقافات الأخرى”، وهذا ما توافقه عليه كلٌّ من “رجاء” محامية من الدار البيضاء (48 سنة) و”زهرة” عاطلة عن العمل من كلميم (28 سنة)، وتضيف “رجاء”: “واشْ ما عند اولادي ما يْديروا، ليس لديهم الوقت لمثل هذه الاحتفالات التي تصادف قرب أيام الامتحان، وزوجي لا يعير الأمر اهتماما على الإطلاق”، لكنّها في الآن نفسه تشير إلى إمكانية شراء الحلوى إرضاء للابن الصغير وكأنه في يوم عيد ميلاده.
ويكاد يكون محطَّ اتفاق أن المشاركة الشخصية في احتفالات رأس السنة هي ذات طابع رمزي ليس إلا، تقول “حياة”: “أنا أستاذة، وتغيير العام بالنسبة لي لديه رمزية خاصة، ففي المدرسة مع التلاميذ نغني، وأكتب الرسائل بالفرنسية لتلاميذي حتى يكتبوها هم بدورهم لذويهم وأقاربهم وأصدقائهم، أما مع الأصدقاء، فإننا نعمل على جعل هذه المناسبة عبارة عن تغذية راجعة Feedback للسنة الماضية”.
رمزية المشاركة تعكس مدى ظاهرة التخلص منها لدى العديد من المستجوَبين، فالصحفي “رضوان” يرى مثلا أن هذه الظاهرة أصبحت قليلة لدى أصدقائه؛ لأن كل واحد مرتبط بعمله وبمظاهر الحياة ومشاقها، في حين أن “جميلة” مستخدمة من فاس (40 سنة) تؤكد أن كثيرا من معارفها تخَلَّوْا عن الاحتفال برأس السنة، مردفة: “أنا لم أحتفل بذلك في يوم من الأيام، ولا يوجد بالنسبة لي ما يستحق الاحتفال به، فما هي إلا سنة مضت مليئة بالموت والدماء والتشريد والبطالة، إضافة إلى سنوات ضياع سبقتها”.
مظاهر الاحتفال برأس السنة تختلف حسب المستجوبين من مدينة إلى أخرى، فبنسليمان مثلا حسب “زهير” تنقلب رأسا على عقب، “شرب الخمر يختلط بمشاهدة السهرات الفنية الدعائية التي يقدمها التلفزيون المغربي للمشاهدين”، و”حوادث سير وجرائم قتل بين الفينة والأخرى”، وهو ما تؤكده أيضا “مروة” مستخدمة بفندق من أغادير (33 سنة)، فهذه المدينة – حسب المتحدثة – تعمها الفوضى في تلك الليلة، ناهيك عن الرشاوي التي يقدمها رواد الفنادق لمستخدميها لإدخال الممنوعات وبائعات الهوى إلى غرف الإيواء بعد ليلة صاخبة من معاقرة الخمرة وبعض الممارسات غير المعتادة بشكل علني في الهواء الطلق.
“حياة” أستاذة اللغة الفرنسية تعتبر هذه الليلة شبيهة بأخواتها عند البيضاويين، فـ”في كل يوم عندنا راس العام”، بل إن العائلات البيضاوية “تشتري الجعة من مرجان أو أسيما، ناهيك عن سياقة الشباب وهم مخمورون وما ينتج عنه من حوادث سير مروعة، وهذا أصبح ساري المفعول في الدار البيضاء في السنوات الأخيرة بشكل يومي، ولم يعد مقتصرا على احتفالات رأس السنة”.
مراكش ليست هي الأخرى بمعزل عن العربدة، لكن الدوريات الأمنية حسب “مليكة” بالمرصاد، فهي تمنع من كل المحاولات التي يقوم بها زوار المدينة القادمين من المدن الأخرى، وترى إحدى المستخدمات بمحطة القطار بمراكش (فضلت عدم الكشف عن هويتها) أن هذه المدينة تعرف ازدحاما كبيرا غير عادي في أيام عيد ميلاد المسيح، سواء من لدن السياح الأجانب أو من لدن السياح المغاربة، وأن الكثير من الشباب يبيتون على أرصفة الطريق وفي الشوارع، لكنهم لا يقومون بأي أفعال مشينة خوفا من دوريات الشرطة المتواجدة في كل مكان.
“محمد” سائق التاكسي بالدار البيضاء ينفي بشدة أي مقاربة أمنية حقيقية أو إمكانية وقوعها على أرض الواقع، لأن شواطئ المدن الساحلية تكون ممتلئة عن آخرها بالمتسكعين، وإذا لم يكن بمقدور السلطات ضبط عملية المرور في الشوارع فكيف يمكنها أن تضبط ما يقوم به الصعاليك من شرب للأنواع الرخيصة من الخمرة أو الأقراص المهلوسة، ناهيك عن جرائم القتل التي تقع، وعن العلاقات غير الشرعية وحركيات الدعارة الرخيصة في الشواطئ والدعارة الراقية في الفنادق، وهذا ما يؤكده أيضا “سليمان” رئيس مصلحة بشركة بأغادير (34 سنة).
68 من أصل 100 يشتكون من ظاهرة ارتفاع نسبة الجريمة وحوادث السير بسبب انتشار الخمر والمخدرات في الأوساط الفقيرة والراقية على السواء، لكن “كريمة” لم تلاحظ ذلك في المنطقة الشعبية التي تسكن فيها في مدينة الرباط، لأن “التواجد الأمني مكثف”، سيما بالأماكن التي تعرف ازدحاما على المقتنيات أو تكاثرا سكانيا، في حين أن الأجانب يرتادون بعض الرياضات المستحدثة مثل “الدار الرباطية” أو “الدار الكبيرة” أو “الدار العالية”.
“شيماء البوعزاوي” صحافية مغربية بوكالة رويترز للأنباء وطالبة ماجستير في علوم الإعلام والاتصال بتونس لا تحتفل برأس السنة، لأنه بكل بساطة يحمل دلالة دينية مسيحية بحتة، وهذا يشكل ميزة خاصة للمسيحيين في نظر “شيماء”، ويعكس مدى توجههم الديني، ونحن واليهود لا نحتفل بهذا اليوم، غير أن اليهود لهم عادات وطقوس وتقاليد في نهاية كل سنة تسمى “حالوكا”.
وتضيف المتحدثة: هناك من الشباب من يفضلون الاحتفال خارج البيت مع الأصدقاء بطرقهم الخاصة، وهذا لا يليق بحسب تصوري، لكن لكل واحد طريقته الخاصة، وأنا شخصيا أعتبر هذا اليوم عاديا، وأحاول ألا أخالف عادات بلدي وتقاليده، وبالنسبة لحلوى رأس السنة، فهي لا تعني شيئا وليست ذات أي حمولة دينية بحسب تصوري، لكن إذا اجتمعت عليها العائلة أو الأصدقاء فإنني سأتناولها من باب “اللي يخرج من الجماعة شيطان” كما هو شائع.
وتعتقد الباحثة في علوم الإعلام والاتصال أن نهاية السنة بالنسبة لنا كمغاربة ينبغي أن تشكل حدثا بارزا على العموم دون النظر في الأبعاد الدينية لذلك، وهذا ما يعني الاحتفالات الرمزي على الطريقة المغربية (كسكس وحلويات وموسيقى أندلسية وما يتلاءم مع الفرح) دون اللجوء إلى معاقرة الخمرة، وهذا بالنسبة لي مظهر من مظاهر الاحتفال الحضاري الذي يمكن لمغاربة الخارج أن يقوموا به في مناسبة للاجتماع والفرح ليس إلا.